الكاتب: أكرم هنية
لا يتوقف مسؤولو "حماس" لحظة عن طمأنتنا من أن كل شيء سيكون على مايرام في قادم الأيام0 فقد تم إبلاغ الشعب الفلسطيني أن عليه ألا يقلق من قطع دول العالم لمساعداتها، وتنهمر الوعود بأن علينا ألا نقلق من أية عزلة دولية أو من أزمة مالية خانقة وأن الحكومة الجديدة ستفاجئ الجميع بنجاحها المؤكد0
ومن المؤكد أن الجميع سيكونون في غاية الرضى لو تحققت كل هذه الوعود، غير أن ما يطرحه الأداء "السلطوي " خلال الشهرين الماضيين للحركة "المعارضة" الفائزة بنصر عريض في الانتخابات من إشارات يثير قلقاً عميقاً0
فـ "حماس" تتولى السلطة التنفيذية وحيدة دون شركاء0 ويمكن للسيد خالد مشعل أن يحمل الإدارة الأميركية مسؤولية رفض الفصائل الالتحاق بحكومته، وبإمكاننا أن لا نتفق معه؛ لأن واقع الأمر، وكما يعرفه الجميع، يقول إن السلوك الاستحواذي لدى "حماس" ألغى أية إمكانية لانضمام أية قوة إلى حكومتها0 ونقول هنا إن من حق "حماس" صاحبة الأغلبية البرلمانية المريحة، وبإمكانها، كما حدث بالفعل، أن تشكل حكومة من لون واحد0 غير أننا نجزم أن هذا أسوأ سيناريو كانت تتمناه "حماس"0
وأيضاً فإن "حماس" اختارت أرضاً غير مناسبة وعناوين غير شعبية لخوض اشتباك سياسي عندما قاومت إلحاحاً ــ من الجبهة الشعبية على وجه الخصوص والتي كانت على عتبة المشاركة في الحكومة ــ للإقرار بدور منظمة التحرير الفلسطينية0 وهي مقاومة تنطلق من إيمانها بأن المنظمة ستصبح بالفعل الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني فقط عندما تقودها أو تحظى "حماس" بنصيب الأسد فيها، غير أن "مكسبها" الوحيد في هذا الاشتباك تمثل في بناء اصطفاف عريض يضم جميع القوى السياسية، باستثناء "الجهاد"، في مواجهتها حول قضية ستشكل إحراجاً دائماً لـ "حماس" التي تبدو وكأنها، في مظهر إقصائي واستحواذي آخر، تريد أن يبدأ التاريخ منذ فوزها في انتخابات التشريعي، وستشكل صداعاً لحكومتها عندما "تكتشف"، على سبيل المثال، أن جميع مكاتب التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني في جميع دول العالم والهيئات الدولية هي، في نظر الدول والهيئات المضيفة، ممثليات لمنظمة التحرير0
وأيضاً، ولم يعد الوقت مبكراً لإطلاق الأحكام، فإن ما نسمعه من سياسات وبرامج لحكومة "حماس" يتراوح بين عمومية تنشد البلاغة وبث طمأنينة لا تستند إلى معطيات واقعية، وإصرار على مواقف ترفض تحقيق التوافق الضروري مع الشرعيات العربية والدولية0 فإن يصبح خيارنا الوحيد "الصبر حتى يأتي الفرج"، كما قال السيد مشعل، قبل أيام، أمر لا علاقة له بمتطلبات وضع استراتيجيات مبنية على قراءة علمية دقيقة للواقع الوطني والإقليمي والدولي ولا بعمل الحكومات وبمصالح المواطنين اليومية، والتبرع بالتحول لأداة ضاغطة لـ"رفع مستوى الموقف التفاوضي العربي" أمر يبدو سريالياً عندما يقال من مكان يبعد مرمى حجر عن بوارج الأسطول السادس والقواعد الأميركية في بعض دول الخليج0
هناك خلل خطير في سلطة حماس، فحكومتها ستبدأ عملها بعد أيام وهي تفتقد لوفاق مع أجسام رئيسية في بيئتها المحلية إلى جانب حالة القطيعة المنتظرة مع البيئة الدولية، وعلاج هذا الخلل لا يتطلب اكتشاف البارود بل يحتاج إلى الهبوط من صخب الشعارات الانتخابية والبرامج الحزبية إلى أرض الواقع الصعب المعقد، وتلبية متطلبات الانتقال من قيادة الحركة إلى قيادة حكومة السلطة0