الكاتب: أشرف العجرمي
هناك تطورات سياسية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني - الاسرائيلي تحدث بالاتجاهين الايجابي والسلبي في وضع اشبه بالعبثي واللامعقول، من جهة يزداد تأييد المجتمع الدولي لاقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، ويزداد كذلك الرفض الدولي للاجراءات الاحتلالية وممارسات السلطات الاسرائيلية العدائية ضد الشعب الفلسطيني وخاصة في مدينة القدس المحتلة. ومن جهة أخرى يجري تراجع في الموقف الأميركي والوعود التي قطعتها ادارة الرئيس باراك أوباما للقيادة الفلسطينية بدعم موقفها من موضوع وقف الاستيطان بصورة كاملة وعدم الانتقال إلى المفاوضات المباشرة حتى يحصل تقدم في مسألتي الحدود والأمن. وما يجري على هذا الصعيد لا يعتبر معادلة متساوية القسمين، فالغلبة للاتجاه السلبي المترتب على تراجع الموقف الأميركي.
لا أحد يستطيع تجاهل المواقف الدولية الايجابية التي صدرت عن أكثر من طرف دولي، ولا شك ان دول الاتحاد الاوروبي منفردة ومجتمعة عبرت عن مواقف متقدمة من القضية الفلسطينية، ففرنسا على سبيل المثال اعلنت انها تؤيد طرحاً دولياً بالاعلان عن دولة فلسطينية في الاراضي المحتلة منذ العام 1967. وبيان الاتحاد الأوروبي الأخير بشأن الصراع في المنطقة هو الآخر متطور ويعكس موقفاً دولياً ناضجاً سواء لجهة تأييد الحقوق الوطنية الفلسطينية، وتحديد مرجعيات العملية السياسية أم لجهة رفض الاستيطان والممارسات الاحتلالية الاسرائيلية في الاراضي المحتلة، ويضاف إلى ذلك بطبيعة الحال رفع مستوى التمثيل الفلسطيني في باريس من مفوضية إلى بعثة برئاسة سفير أي ان ممثل فلسطين في فرنسا الآن يقدم اعتماده للرئيس الفرنسي كسفير معتمد أسوة بسفراء الدول الأخرى، حتى واشنطن قامت بخطوة إلى الأمام في مسألة التمثيل الفلسطيني (مكتب منظمة التحرير).
هذا الموقف الاوروبي والدولي هو بلا ريب أداة ضاغطة على الحكومة الاسرائيلية التي تشعر بأنها لم تعد قادرة أكثر على تسويق مواقفها المعادية للعملية السياسية والمعيقة لاحتمالات التوصل إلى تسوية دائمة للصراع بما يضمن تحقيق العدالة النسبية والأمن والاستقرار في هذه المنطقة، وكل العالم يجمع على ان تصرفات اسرائيل مناقضة لأسس عملية السلام.
وفي هذا السياق، تتوالى الاعترافات الاسرائيلية بسوء الوضع مقابل العالم، ويمكن ملاحظة ان عدداً كبيراً من السياسيين والمحليين والكتّاب يبثون رسائل تحذير إلى حكومة نتنياهو بعدم الاستمرار بهذه السياسة التي من شأنها ان تضع اسرائيل في موقف أكثر خطورة من مسألة الاحراج التي تشعر بها الآن. حتى ان ايهود باراك شريك نتنياهو في الحكومة ووزير الدفاع يعلن صراحة ان ما يطرح من جانب اسرائيل غير كاف، وانها يجب ان تعرض خطة تتضمن حدود الدولة الفلسطينية وحلاً لقضيتي اللاجئين والقدس.
الفلسطينيون اشترطوا منذ البداية أنهم لن ينتقلوا إلى مفاوضات مباشرة قبل حصول تقدم في ملفي الحدود والأمن اللذين قدمت القيادة الفلسطينية موقفها منها بالتفصيل للجانب الأميركي، وأيضاً الوقف الكامل لكل اشكال البناء الاستيطاني وتصنيفاته المرفوضة دولياً.
الآن تتعرض القيادة لضغوط قوية من جانب الادارة الاميركية، وحسب ما نشر في وكالة "اسوشيتدبرس" يلوح في الأفق تهديد أميركي على لسان الرئيس أوباما الذي يشترط دعمه لاقامة دولة فلسطينية بالانتقال إلى مفاوضات مباشرة. ومن المتوقع كذلك ان تُمارس ضغوط اميركية على الدول العربية الاعضاء في لجنة المتابعة التي من المفروض ان تجتمع غداً بحضور الرئيس أبو مازن. حتى نتنياهو صرح بأنه مارس ضغوطاً لحث الجامعة العربية على الموافقة على المفاوضات المباشرة، ولا ندري هل كانت الضغوط الاسرائيلية موجهة لواشنطن لتصل بطريقها إلى العرب أم أنها في بعض الحالات قد تكون مباشرة.
في الواقع، يبدو التركيز على الدخول فوراً في مفاوضات مباشرة كمحاولة للهروب من الاستحقاقات السياسية الضاغطة، وعدم تقديم اجابة في المسائل المطروحة على أجندة البحث، ولو كان لدى القيادة الاسرائيلية، وبالتالي لدى واشنطن أي تصور أو رؤية جادة للحل السياسي، لا يكون شكل المفاوضات مهماً، وتصبح مسألة المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة ثانوية جداً. فلا يوجد أي مانع مبدئي للفلسطينيين للذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع اسرائيل وسبق ان فعلوا ذلك منذ حوالي عشرين عاماً وحتى انتهاء فترة حكومة ايهود اولمرت وحزب "كديما" السابقة.
ويظل السؤال لماذا الاصرار على الذهاب نحو مفاوضات مباشرة ونحن لم نحقق أي تقدم يذكر حتى في المسائل الصغيرة الاجرائية؟ حتى ان نتنياهو يربط رزمة "حسن النوايا" الصغيرة والتافهة التي يعتزم ان يجود بها على الفلسطينيين بالانتقال نحو المفاوضات المباشرة، وهذا يشمل تمديد التجميد الجزئي للبناء الاستيطاني في بعض المناطق المحتلة.
المفاوضات المباشرة مطلوبة لكل من نتنياهو واوباما لاسباب داخلية لا علاقة لها بالصراع او التسوية، فكل منهما يريد ان يلعب بهذه الورقة لتحسين موقعه، الادارة الاميركية تريدها لتعزيز فرص الحزب الديمقراطي في الانتخابات التكميلية للكونغرس. ونتنياهو يريدها للاثبات لمعسكر اليمين بأن سياسته هي الناجعة في اجبار الفلسطينيين على الرضوخ دون تقديم أي شيء لهم حتى لو كان شكلياً.
الطرف الوحيد الذي سيدفع ثمن الانتقال إلى المفاوضات المباشرة هم الفلسطينيون والرئيس محمود عباس على وجه الخصوص، لأن الشعب الفلسطيني سمع مراراً وتكراراً مواقف القيادة التي تقول ان الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مرتبط بتحقيق جملة من الاشتراطات والأسس التي تكفل البدء في مفاوضات وعملية سياسية جادة، وهذا لم يتحقق، بل بالعكس الأمور تذهب نحو الأسوأ والتراجع هو سيد الموقف!؟!
ادارة الرئيس أوباما حتى اللحظة تنتقل من مستوى اعلامي إلى آخر ذهاباً واياباً دون ان تقدم جواباً شافياً واحداً للقيادة الفلسطينية.
وهل توجد ضمانات اميركية حقيقية مكتوبة وواضحة بدعم قيام دولة فلسطينية مستقلة لو لم تفض المفاوضات المباشرة إلى نتيجة ايجابية في فترة زمنية معقولة؟ وماذا لو ذهب الفلسطينيون إلى مجلس الأمن، هل سيكون هناك فيتو اميركي وضغوط تمارسها واشنطن على أعضاء المجلس للتصويت لصالح اسرائيل؟
لا يستطيع الرئيس أبو مازن ان يذهب إلى مفاوضات مباشرة مكتوب عليها الفشل أو كما يقولون "الجواب بائن من عنوانه" وهي على الأغلب مفاوضات من أجل المفاوضات هدفها اضاعة الوقت وخداع الرأي العام المحلي والدولي بأن شيئاً يحدث، في حين أن الواقع هو عكس ذلك، وعلى ادارة أوباما اذا كانت تمتلك الحدود الدنيا من الجدية ان تسعى لتقوية الرئيس أبو مازن الذي لديه نوايا وارادة جديتان تجاه العملية السياسية، وكل الاطراف الدولية تعلم ذلك. وهذا يتأتى فقط من عدم الضغط عليه ومساعدته في توفير شروط الحد الأدنى للموافقة على مفاوضات مباشرة برعاية دولية.