الكاتب: م. عماد الفالوجي
فى غزة لا حديث للناس فى مجالسهم سوى الأوضاع العامة التى يمرون بها وما أكثرها وأعقدها وكلها متداخلة مع بعضها البعض ومترابطة وهي فى مجملها تعني شيئا واحدا هو المعاناة المستمرة والمتواصلة، وفى ثنايا الأحاديث تجد الحيرة وحالة التيه والضياع فيما يفكر فيه الناس بكافة مستوياتهم الفكرية أو الحزبية، الجميع يحاول أن يفهم أو يبحث عن جواب مقنع لكل ما يدور حوله ولكن دون جدوى، لأن الأخبار اليومية التى تتناقلها وسائل الإعلام المختلفة شبه متناقضة وغير مفهومة وتتراوح بين التشاؤم والتفاؤل والتردد والقلق والخوف من المستقبل غير واضح المعالم وغير مستقر، ويكثر الحديث عن مآل المصالحة الفلسطينية وأزمة الكهرباء والمعابر وجواز السفر والعلاقة بين حكومة غزة ورام الله ولماذا لم تدخل بضائع وسلع الى غزة بعد أن سمحت بها إسرائيل بعد طول انتظار وكل طرف له رأي وموقف من كل قضية وكيف سيكون شكل الحرب القادمة وما المقصود بالصيف الساخن هل ستكون عندنا فى غزة أم فى لبنان، ومن هذه المجالس نستمع الى حديث الناس .
الأول / ماذا حدث فى قضية المصالحة لم نعد نسمع عتها شيئا وكأن الأمور على هذا الوضع أصبح عادي جدا، وأصبحت أخبار المصالحة مثل موج البحر - مرة عالية وأخرى واطية -، وكأن كل جهة مرتاحة على أوضاعها ولا يوجد أي ضغط يدفع الطرفين على التركيز أكثر لإنهاء هذا الانقسام، وكأن ليبرمان كان الأكثر صدقا فى طرحه اعتبار قطاع غزة كيان منفصل تماما عن الكيان الإسرائيلي والسماح لأهل القطاع أن يعلنوا ويبنوا دولتهم إن أرادوا بدون معارضة من الكيان الإسرائيلي، وحكومة رام الله تفتخر هي الأخرى بإنجازاتها وتعتبر نفسها نجحت فى برنامجها فقد حققت الأمن والاستقرار فى مدن الضفة ونفذت 2000 مشروع وطبعا قطاع غزة لا مكان له فى خططهم التنموية لأسباب معروفة وغير معروفة .
رد عليه الثاني / يجب أن لا نبالغ كثيرا فى فهم الأمور أهل الضفة قد يكونون أكثر معاناة من أهل قطاع غزة لكن الإعلام يركز فقط على معاناة أهل القطاع بطريقة مقصودة ويمكن تكون غير بريئة، الحصار على أهل الضفة ليس أقل شراسة من حصار أهل قطاع غزة وكل من يزور الضفة ويرى الجدار العنصري تشمئز نفسه ويصاب بمرض نفسي من شكل الجدار وطريقة بناؤه وهو يفصل بين القرى والبيوت ويبعد المساقات ويجعل الحياة فى الضفة الغربية كلها نكد، ولو شاهدنا الاعتقالات اليومية والاجتياحات لبعض القرى والمدن كل فترة سنجد أيضا معاناة لا تتوقف، والحياة لا تقاس فقط بالكهرباء وبعض المشاريع القضية أكبر وأخطر من هيك .
وقال ثالث / بالنسبة للمصالحة لم تعد تحتل الأولوية عند قياداتنا وهذا أصبح واضح والأهم عندنا هو فتح المعابر وتحسين حياة الناس وتخفيف معاناتهم ولا داعي للاستعجال على تحقيق المصالحة، لأنه لا يهم من يحكم المهم تتحسن الأوضاع، وكل ما نسمعه عن المصالحة غير صحيح لأنه لو كان كل ما يقال صحيح لتحققت المصالحة منذ زمن بعيد، هل يمكن أن نصدق أن المصالحة متوقفة على ملاحظات هنا وهناك الحقيقة هي لا يوجد قرار جدي بتحقيق المصالحة لأن كل طرف يحقق مصالحه الخاصة عبر هذا الانقسام، ولا يضيع فيها سوى المواطن والقضية، المهم يتم حل مشكلة الكهرباء بغض النظر عن سؤال كيف أو من ؟ .
رد الأول / هذا تفكير مصيبة معناه صارت كل مطالبنا تحسين ظروف حياتنا وبقية القضايا لا قيمة لها، وهذا ما كانت تخطط له إسرائيل منذ قيامها وهو إشغال الناس باحتياجاتهم فقط ولم تنجح سياستها طوال العقود الماضية فهل نجحت الآن ؟ إذا كان الأمر كذلك فهذا هو الانتصار الحقيقي للكيان الإسرائيلي لأن مخططهم كان دائما يرتكز على إرادة شعبنا وتحديه للواقع مهما كان صعبا، وهل لو سمحوا لنا فى غزة أن نحقق استقرار اقتصادي وفتح للمعابر وتنفيذ مشاريع تنموية هل هذا يعني أن نقبل باستمرار الوضع على ما هو عليه ؟ وماذا عن القدس ؟ والدولة ؟ ثم هل تعلمون أن إقامة دولة غزة لتكون هي الدولة الفلسطينية مع توسيع حدودها تجاه مصر والنقب هي ذاتها الخطة الإسرائيلية التى سارت عليها السياسة الإسرائيلية على مدار سنوات طويلة وكنا نرفض ذلك بإصرار، هل أخيرا سنقبل بما رفضناه طوال السنين الماضية ؟
وقال رابع / بصراحة وبدون عواطف نعم سنقبل لأن فلسطين ليست ملكنا وحدنا ولن نستطيع أن نقاتل الى ما لا نهاية ولن نتمكن من هزيمة إسرائيل وحدنا، كل العرب لا يفكروا سوى فى مصالح دولهم ويبنون علاقاتهم الدولية على هذا الأساس، أنظر الى آخر الأخبار نحن أصحاب القضية نرفض لقاء رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو ونرفض إجراء مفاوضات مباشرة معه و نتنياهو نفسه يزور دولا عربية ويلتقي بقادتها علنا وليس سرا، لأن كل دولة لها مصالح معينة وتعمل على تحقيق رفاهية شعوبها، ولا يوجد احد يخطط او يفكر فى مواجهة إسرائيل وهذه حقيقة، علينا الانتباه والكف عن سياسة التهور والتعرف جيدا على قدراتنا وإنقاذ شعبنا وأطفالنا من الهلاك لا ثمن، ولا داعي أن نذكر بعضنا بالحرب الأخيرة على غزة والدمار والقتل الذي دفع شعبنا ثمنه .
رد الأول / لا لسنا وحدنا فى المعركة وإسرائيل ليست قدرا لا يمكن هزيمته بل إن إسرائيل بدأت تترنح وتهتز من داخلها ولم تعد قادرة على المواجهة المفتوحة من الشمال والجنوب، واليوم دخلت أطرافا مهمة الى دائرة المواجهة وأهمها تركيا بما لها من وزن سياسي وعسكري واقتصادي لم نعد وحدنا، حتى المجتمع الدولي بل والولايات المتحدة نفسها أصبح بعض قادتها يعلنون بأن حل القضية الفلسطينية مصلحة للأمن القومي الأمريكي، يجب أن نرى الأمور ونزنها بحجمها بدون تهويل أو تهميش .
رد الرابع / أنت تضحكني فعلا عندما تذكر دخول تركيا على خط المواجهة وأنا أطلب منك أن تنتظر قليلا لترى أن المصلحة التركية كانت تقتضي ما حدث وهي وسيلة ذكية من تركيا لتضغط على المجتمع الدولي لتحقق لها بعض المكاسب السياسية مقابل سكوتها عما يحدث مع الكيان الإسرائيلي، وستلعب تركيا دورا مطلوبا منها فى عقلنة المقاومة الفلسطينية وكما لعب الدور السري كوسيط للمفاوضات بين سوريا والكيان الإسرائيلي سيلعب نفس الدور مع غير سوريا وهذا الدور ليس مجانا بل لابد أن يدفع المجتمع الدولي ثمنا مساويا لتركيا، وفى النهاية ستجد أن كل طرف يعمل لمصالحه بعيدا عن الشعارات الخادعة .
وقال آخر / اذا كان كل طرف يعمل لتحقيق مصالحه فهذا حقه المهم نحن أين مصالحنا ومع من ؟ ولماذا لا نعمل مثلهم ؟ لماذا لا يوجد لدينا خطة واضحة المعالم يعمل الكل بمقتضاها حتى لو اختلفنا فى التفاصيل، لماذا الكيان الإسرائيلي استطاع بنجاح أن يجعل من خلافاته الداخلية قوة له، مصلحتنا أولا أن نتوحد ونضع لأنفسنا برنامج عمل متوافق عليه حتى لو اختلفنا فى بعض التفاصيل، واذا نجحنا فى تحقيق ذلك سنكون أكثر استعدادا لاستغلال الظروف السانحة والمتغيرة لصالحنا، ويمكن أن نحقق الكثير من المكاسب لأن معركتنا مع الاحتلال لن تكون بالضربة القاضية بل عبر تسجيل نقاط الانتصار على هذا الكيان الاحتلالي .
رد الأول / هذا كلام صحيح يجب النظر الى الأمور بمنظار المصلحة بعيدا عن التشاؤم أو التفاؤل المفرط وبعيدا عن السوداوية والإحباط، ومصلحتنا الحالية فى الأول والأخير هو إنهاء هذا الانقسام لأنه لا يمكن الحديث عن تحقيق مصالح لنا بدون ذلك، لأن المصلحة الفلسطينية واحدة ولن تكون هناك دولة فى غزة ولن يستمر الاحتلال فى الضفة الغربية ولن يكون هناك سلام واستقرار بدون القدس ولن ينسى اللاجئون حقوقهم .