الكاتب: عبدالله اسكندر
تصعّد «حركة المقاومة الإسلامية» (حماس) خطابها السياسي ضد السلطة، لمناسبة استجابة الأخيرة دعوة واشنطن الى مفاوضات مباشرة مع اسرائيل. وسيطغى الجدل في شأن هذه الخطوة على ما عداها مع اقتراب موعد بدء هذه المفاوضات في الثاني من الشهر المقبل. لكن، وبغض النظر عن الجانب السياسي المتعلق بكيفية الحل للصراع ومضمونه، ينبغي الا يمّوه هذا الجدل الوضع الراهن في قطاع غزة، تحت حكم «حماس»، وكيفية ادارة الحركة لهذه «الإمارة» التي اقتطعتها بالقوة.
السمة الأساسية لهذه الإدارة هي الصدام مع كل الآخرين، بغض النظر عن المواقع السياسية. بما يظهر ان الحركة لا تستطيع تحمل اي قوى اخرى الى جانبها. قد يكون مفهوماً ان تتخاصم «حماس» مع حركة «فتح» حول الحل مع اسرائيل، وإن يكن غير مقبول ان تحسم هذه الخصومة بقوة السلاح. لكن ما لم يعد مفهوماً هو الصدام مع فصائل وقوى فلسطينية تشاطر «حماس» مواقفها السياسية. ولا يقتصر الأمر على القوى العلمانية، مثل الجبهتين «الشعبية» والديموقرطية»، والتي تتعرض لمضايقات في مكاتبها وقياداتها واعتقال عناصرها، انما يطول ايضاً فصائل اسلامية، مثل «الجهاد» الحركة التوأم لـ «حماس». وذلك بعد تصفية بؤر تنظيمات اسلامية متشددة في القطاع.
في هذا المعنى تتجاوز هذه الممارسة الجانب السياسي، الى كيفية التعامل مع القوى الأخرى التي ينبغي ان تكون خاضعة، وليست حليفة تتمتع بهامش من حرية الحركة والعمل. وينطبق هذا الأمر على نوعية الضبط الأمني الذي تتولاه شرطة وزارة الداخلية التابعة للحركة ازاء الفصائل والقوى الأخرى. تارة بحجة خرق القانون (اي قانون؟) وطوراً بحجة عدم الانضباط في وقف النار مع اسرائيل الذي تمارسه عملياً «حماس»، على رغم دعواتها الى المقاومة. وكثيراً ما تتعرض تجمعات سياسية او تظاهرات او حركات احتجاج للمنع والقمع، بذريعة عدم الحصول على ترخيص من حكومة «حماس» او المساس بالأمن. وأعتقل كثيرون في هذا الإطار وتعرضوا لتحقيقات مذلة على ايدي رجال وزارة الداخلية.
والجانب الأخطر في ادراة «حماس» للقطاع هو طريقة تعاملها مع سكانه، اذ فرضت عليهم سلوكيات وطريقة عيش لم يألفه المجتمع الفلسطيني المتعدد، ودفعت «حماس» مناسبة تزامن فصل الصيف وشهر رمضان هذه الطريقة الى اقصاها، من خلال مطاردة كل العادات الفلسطينية بذرائع شتى، خصوصاً دينية. فأقفلت مقاهي وأماكن لهو ومراكز انترنت وحرّمت ممارسات طبيعية وعادية في القطاع، وحرمت صائمين من الإفطار في اماكن عامة. واعتقلت من اعتبرت انهم يشجعون على هذه الممارسات.
وقبل ذلك، عممت وزراة التربية فيها، لمناسبة الموسم الدراسي المقبل، جملة اجراءات لم يعهدها الغزيون سابقاً، تارة باسم الفصل بين الجنسين وطوراً باسم الحشمة ودائماً باسم الدين.
وفي الوقت الذي ترعى «حماس» حركة التهريب عبر الأنفاق ويساهم مسؤولوها باستثمارات استهلاكية مختلفة، تطارد في القطاع صغار التجار والباعة المتجولين بححج شتى. وفي الوقت الذي يبقى من فقدوا مساكنهم، بفعل الهجوم الإسرائيلي، في العراء عمدت الحركة الى هدم منازل بناها منكوبون، بحجة عدم حصولهم على تراخيص (بما يذكر بحجة مماثلة قدمتها وتقدمها قوات الاحتلال الإسرائيلي).
ووصل الأمر بالحركة الى استهداف منظمات اغاثة وطبابة اجنبية تقدم مساعدات شتى للفلسطينيين في القطاع، من دون تقديم اي تبرير. وبات امراً شبه يومي ان يداهم رجال بزي مدني يقولون عن انفسهم من وزارة الداخلية التابعة لـ «حماس» مكاتب سياسية ومراكز ثقافية وطبية.
ويبدو ان «حماس»، في حكمها قطاع غزة، تتجه اكثر فأكثر الى اعتماد القوة والإكراه ضد كل الآخرين، لتتحول الحزب الوحيد الحاكم مع كل ما ينطوي عليه ذلك من انزلاقات نحو تنميط مجتمعي واقتصادي وديكتاتورية سياسية.
عبدالله اسكندر - الحياة اللندنية