الكاتب: حمادة فراعنة
صوّب الرئيس محمود عباس الموقف الفلسطيني من المفاوضات بقوله: "سنذهب للمفاوضات مهما كانت حدود الأمل حتى ولو لم تتجاوز النتائج واحداً بالمائة، لأن ذهابنا للمفاوضات ودوافعنا نحوها، يخدم المصالح الوطنية الفلسطينية، وقرارنا لم يكن استجابة لضغوط عربية أو دولية، ولن يكون".
تصويب الموقف الفلسطيني من قبل الرئيس يتم على قاعدتين الأولى، إنه قرار سياسي ذو طابع استراتيجي اتخذته منظمة التحرير ومجلسها الوطني ومؤسساتها المختلفة منذ العام 1974، بعد إقرار البرنامج المرحلي ويقوم على العمل على مشاركة منظمة التحرير في كل محفل أو مسعى أو مؤتمر أو منبر له علاقة بفلسطين وإنهاء سياسة الحرد العربية التي كانت تقوم على الانسحاب من أي موقع أو مكان يتواجد فيه ممثل لإسرائيل، حتى تحولت إسرائيل لممثل عن فلسطين بغياب أو بهروب ممثلها كما كان في عهد أحمد الشقيري انسجاماً مع السياسة العربية المتخلفة أنذاك والتي أظهرت إسرائيل كدولة راغبة في السلام والتعايش بينما العرب يرفضون ذلك، "فإذا غاب الفلسطيني راحت عليه".
أما القاعدة الثانية، فإن المشاركة الفلسطينية تحمي المصالح الفلسطينية وتبرزها وتجعلها حية ومتداولة على الطاولة وفي صلب المشهد السياسي الدولي، وتبقى قضايا القدس واللاجئين والحدود والدولة وكامل حقوق الشعب الفلسطيني قابلة للحياة وعنوان التفاوض وهدفه.
أبو مازن قاد المعارضة ضد الانتقال من المفاوضات غير المباشرة التي أدارها السفير الأميركي جورج ميتشل، إلى المفاوضات المباشرة، وحرض عليها ما وفر للمعارضة الفلسطينية مادة خصبة لشن هجوم قوي بلا تردد ضد المفاوضات المباشرة، وقد هدف أبو مازن من تلك الحملة التحريضية الى تحسين مستوى وظروف وشروط جلوسه على طاولة المفاوضات، أو على الأقل تقليل حجم الخسائر المعنوية المرافقة لقبوله الجلوس على طاولة المفاوضات مع نتنياهو الذي كسب الجولة السياسية سلفاً برفضه 1- وقف الاستيطان. 2- رفض التفاوض من النقطة التي وصلت إليها المفاوضات مع أولمرت. 3- ورفضه تحديد خارطتي إسرائيل وفلسطين، ومع ذلك لا يجوز للفلسطيني أن يغيب عن دعوة هدفها معالجة قضيته.
رفض المفاوضات المباشرة كان سلاحاً سياسياً بيد أبو مازن وظفه لمصلحة تحسين شروط التفاوض، رغم تفوق نتنياهو وقدرته على المناورة، مسنوداً بدور اللوبي اليهودي الإسرائيلي الضاغط على إدارة أوباما وتحجيم تأثيرها لمصلحة إسرائيل وبقاء تفوقها وتسخير قدرات الولايات المتحدة لصالح المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي.
الحرد الفلسطيني والتردد من الذهاب إلى المفاوضات وعدم المشاركة فيها يعني عملياً العودة إلى مواقع العزلة وترك حق تمثيل القضية والحقوق والشعب إلى أطراف غير منظمة التحرير الفلسطينية، ويعيد المنظمة وسلطتها الوطنية لتكون وتبقى تحت رحمة الحصار المالي والسياسي وان تتلقى ضربات إسرائيلية موجعة بدون أي تعاطف دولي.
مشاركة منظمة التحرير بالمفاوضات المباشرة، يؤدي أولاً إلى حماية المنظمة والسلطة من الوقوع في الحصار المالي والسياسي، ويؤدي ثانياً إلى جعل قضايا وعناوين وحقوق الشعب الفلسطيني موضع اهتمام وتداول وقد يؤدي ثالثاً إلى مواصلة الضغط لتجميد الاستيطان ووقفه.
الرافضون للمفاوضات هذا حقهم، ولذلك لا يجوز معاقبتهم على هذا الحق وفي اتخاذ الموقف الرافض الذي يرونه مناسباً طالما ان أدواتهم سليمة ووسيلة تعبيرهم مدنية، فقد صعدوا إلى الشجرة برفقه الرئيس رافضين للمفاوضات المباشرة قبل تحسين شروط التفاوض وأقلها وقف صريح للاستيطان.
ما حصل يوم الأربعاء 18/ آب مع قوى المعارضة السياسية للمشاركة في المفاوضات المباشرة في واشنطن، غير مقبول سواء تم على أيدي الأجهزة الأمنية، أو على أيدي عناصر نشيطة ومتحمسة من قبل حركة فتح، وعلى الرئيس ورئيس حكومته واللجنة المركزية لحركة فتح أن يعلنوا رفضهم وشجبهم لهذا السلوك غير الديمقراطي من قبل الذين أفشلوا اجتماع المعارضة ضد المشاركة في مؤتمر واشنطن الخماسي.
المعارضة الديمقراطية، ذات الطابع المدني والحزبي والسياسي، قوة للقرار الفلسطيني وللمؤسسة في المنظمة وسلطتها الوطنية، ويجب التفريق الجوهري، بين معارضة فصائل دمشق غير الديمقراطية، وبين القوى السياسية الفلسطينية المشاركة في إطار ومؤسسات منظمة التحرير، ولذلك لا يجوز وغير مبرر تحجيم دور المعارضة المدنية والحزبية والسياسية القائمة على التعددية وتنوع المواقف والسياسات، فمعارضة فصائل دمشق هدامة، بينما معارضة فصائل منظمة التحرير قوة يجب الاتكاء عليها والاعتماد على دورها والاستقواء بها من أجل تعزيز الموقف الرسمي الفلسطيني لا إضعافه.
لقد ولت ولن تعود هيمنة فصيل واحد على مؤسسة صنع القرار الفلسطيني، سواء كانت "فتح" في السابق، أو كما تفعل "حماس" الآن منفردة في إدارة قطاع غزة، فـ"فتح" لن تهزم الاحتلال ولن تهزم الانقلاب الا بالاعتماد على التحالف الوطني الرباعي الذي يجمع "فتح" مع اليسار الفلسطيني مع فصائل التيار القومي مع المستقلين، وما العلاقة القائمة في إطار منظمة التحرير ولجنتها التنفيذية ومجلسها المركزي ومجلسها الوطني وسلطتها الوطنية، وما العلاقة القائمة بين الرئيس محمود عباس ورئيس حكومته سلام فياض، وحكومته الائتلافية سوى تجسيد لهذا التحالف الرباعي.