في ذكرى وفاة ديفيد بن غوريون ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطاب يحمل في طياته الكثير من المعاني والإشارات التاريخية، ولاسيما أن قبر بن غوريون عرف في السنوات الأخيرة، بأنه المكان الذي يغير أمامه القادة السياسيون جلودهم –مواقفهم السياسية- ويعلنون مواقف جديدة أمام الجمهور.
وحاول نتنياهو ربط شخصيته بمؤسس الدولة بن غوريون عندما أخذ قرارات حاسمة بإعلان الدولة في ساعة مصيرية رغم كل التهديدات والمخاطر والتخوفات والضغوط.
ورغم أن الخاطب كان موجها في معظمه إلى المجتمع الدولي للضغط على إيران لوقف برنامجها النووي، إلا أنه يحمل في طياته رسائل إلى الداخل الإسرائيلي بأنه القائد الذي تحتاجه إسرائيل في الساعة المصيرية، وأنه الأقدر على اتخاذ القرارات في الوقت الذي تمر فيه 'إسرائيل' بمرحلة تاريخية تتداخل فيها العوامل الداخلية –الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية- والعوامل الخارجية في ظل الربيع العربي والتهديدات الأمنية المتعاظمة من قطاع غزة ولبنان وإيران وغيرها.
وبشكل دراماتيكي سرب نتنياهو فور عودته من الحفل إلى وسائل الإعلام خبر تقديم موعد 'البرايميز' الانتخابات الداخلية لحزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو حاليا.
إعلان تقديم موعد الانتخابات الداخلية لليكود بقدر ما يعد شأنا حزبيا داخليا، سيكون له تداعيات وانعكاسات على المشهد الإسرائيلي بأكمله، وفي نفس الوقت يعكس طبيعة ما يدور على الخريطة السياسية والحزبية الإسرائيلية، ولاسيما أن بعض المراقبين يقرؤون هذه الخطوة بأنها مقدمة لحل الكنيست وإجراءات انتخابات برلمانية مبكرة، ليبقى التساؤل لماذا أقدم نتنياهو على قرار تقديم موعد الانتخابات الداخلية؟، وهل هناك اعتبارات زمنية تتعلق بهذا القرار؟، وما هي الظروف الموضوعية التي أدت إلى مثل هذا القرار؟، وللإجابة على هذه التساؤلات لابد أن نستعرض عدد من المعطيات التي تتعلق بهذا الشأن:
1- الانتخابات الأمريكية: يقول بعض المعلقين إن نتنياهو يعد في هدوء لاحتمال أن يفوز الرئيس الأميركي، باراك أوباما الذي يرى محللون أنه بعد أن ينتهي من مشاغل الدعاية الانتخابية فإنه قد يضاعف الضغط على رئيس الوزراء اليميني نتنياهو للانخراط في عملية السلام مع الفلسطينيين ما سيعمق الانقسامات السياسية داخل إسرائيل على حساب حزب ليكود.
2- الائتلاف الحكومي:
- يحاول نتنياهو استباق الزمن قبل صدور تقرير مراقب الدولة بشأن حريق جبل الكرمل الذي سيصدر في شهر يناير المقبل، ويوجه التقرير أصابع الاتهام إلى وزير الداخلية ورئيس حزب شاس 'إيلي يشاي' بالتقصير في هذه القضية، ولم يستطع يشاي خلال جلسة الاستماع التي عقدها مراقب الدولة إقناعه بإدعاءاته بشأن استعدادات وزارته قبل الحريق وموقفها خلال الحريق وبعده، وبالتالي فإن المعطيات تشير إلى أن احتمال تحميل المسئولية الشخصية إلى الوزير إيلي يشاي، وهذا الأمر ربما سيؤدي إلى أزمة سياسية مع حركة شاس الشريك الأساسي في الائتلاف الحاكم.
- وخلال هذا الشهر سيعقد المستشار القضائي للحكومة 'يهودا فاينشتاين' جلسة الاستماع الخيرة الخاصة بوزير الخارجية ورئيس حزب إسرائيل بيتنا 'أفيغدور ليبرمان' بعد توصية الشرطة بتوجيه لائحة اتهام بالفساد وتبييض الأموال 'نحو 3 مليون دولار' والغش والتشويش على القضاء إلى ليبرلمان، الأمر الذي بات يؤرق رئيس الحكومة نتنياهو الذي يخشى سلامة ائتلافه الحكومي في حال تبنى المستشار القضائي للحكومة التوصية ما سيضطر ليبرمان إلى الاستقالة.
وتوقعت مصادر قريبة من المستشار القضائي بأنه سيتبنى التوصية بتوجيه لائحة اتهام ضد ليبرمان نظراً لتوافر الأدلة الكافية لإدانته في التهم الموجهة إليه.
3- الأزمة الاقتصادية: أهم التحديات التي يخشاها نتنياهو هي التحديات الاقتصادية، وهي التي شكلت معضلة أساسية أمام حزب الليكود الذي استطاع تجاوز الكثير من العقبات السياسية ولكنه يصطدم بقوة بالعقبة الاقتصادية، وحاليا تقوم وزارة المالية الإسرائيلية بإعداد خطة طوارئ لمواجهة سيناريو وقوع أزمة مالية خطيرة في عام 2012، وشكلت الوزارة لجنة فحص خاصة ستقوم بدراسة جميع القرارات الطارئة التي اتخذتها المالية خلال عام 2008 و2009 واستخلاص العبر منها.
هذه التحضيرات نابعة من توقعات الوزارة بوقوع أزمة مالية صعبة خلال عام 2012، والعمل على بلورة قرارات للحفاظ وبكل ثمن على الميزانية العامة وعدم الاعتماد عليها في معالجة أية أزمة قادمة، كون ذلك سيمس في الصلابة الاقتصادية لإسرائيل، وسيصعب عليها تجنيد ديون في الأسواق، ومن الممكن أن تتسبب في تدهور الاستقرار المالي.
التقديرات الآن هو أن العجز في الميزانية سيكون أكثر بكثير، وعلى ما يبدوا سيصل إلى نسبة 3.5% بسبب الهبوط المتوقع في الازدهار والمدخولات من الضرائب نتيجة الأزمة.
هذا الأمر يكشف عمق الأزمة الاقتصادية المقبلة في إسرائيل والتي بدأت تداعياتها تتجلى على مختلف القطاعات، والمعطيات الأخيرة أشارت إلى تراجع شراء الشقق السكنية، وارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، مقابل تدني دخل الفرد، وارتفاع نسبة البطالة والفقر، وازدياد الفجوات الاجتماعية.ونتنياهو الذي يتمتع حاليا بأعلى نسبة تأييد من تجدد موجات الاحتجاج الاجتماعي بفعل العقبات اقتصادية المتوقعة الأمر الذي سيسحب تحته البساط، ويتسبب بتدهور شعبيته.
4- استطلاعات الرأي: أظهر آخر استطلاع للرأي العام الإسرائيلي ونشر في الصحف الإسرائيلية أن 49% من الإسرائيليين راضون عن الأداء العام لرئيس الحكومة في مقابل عدم رضى 40%. كذلك أشار الاستطلاع إلى أن حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو سيحصل على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية لو أجريت الانتخابات اليوم بواقع (29) مقعد، يليه حزب «العمل» الوسطي المعارض (19) مقعد، ثم «كديما» و «إسرائيل بيتنا» (17 لكل منهما)، فيما يحصل حزب «ميرتس» اليساري على 6 مقاعد.
5- اعتبارات داخلية: يتبيّن أن معركة نتنياهو على زعامة الحزب محسومة مسبقاً. إذ يُستبعد أن يخوض نائبه الأول ومنافسه التقليدي سيلفان شالوم المنافسة بداعي أن الوقت المتبقي حتى موعد الانتخابات لا يتيح له الاستعداد لها، لكنه يعلم في الواقع أن نتنياهو، الذي سبق أن هزمه في منافسات سابقة، قد يلحق به هزيمة كاسحة هذه المرة حيال الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها داخل الحزب. وعليه، من المتوقع أن تنحصر المنافسة بين نتنياهو وعضو الحزب المتطرف من غلاة المستوطنين موشيه فيغلين الذي يتمتع بنسبة بسيطة جداً من التأييد.
ونجح نتنياهو في بسط نفوذه على مختلف المعسكرات داخل الحزب، خصوصاً الجناح اليميني المتشدد. ويستفيد نتنياهو من جمود العملية التفاوضية مع الفلسطينيين التي يعارضها المعسكر المتشدد، الذي يبدي ارتياحه أيضاً لاستمرار الاستيطان اليهودي في القدس المحتلة. كذلك أطلق نتنياهو، سواء بالتشجيع المباشر أو بالصمت الموافِق، يد نواب هذا المعسكر لتشريع مجموعة قوانين تستهدف نشاط الحركات والمنظمات اليسارية والإعلام والمواطنين العرب
بقي أن نشير إلى أن وقوع الأسوأ في بعض القضايا المتعلقة بالوضع الإسرائيلي الداخلي سابقة الذكر قد تؤدي إلى حل الكنيست وتبكير الانتخابات البرلمانية وحينها سيكون نتنياهو قائد الحزب الإسرائيلي الوحيد تقريباً الذي لديه جهوزية لقيادة حزبه في هذه الانتخابات
*تحرير عكا للدراسات